لماذا يكره المهاجرُ المهاجرَ؟
الاندماج، أم الحفاظ على الهوية الأصلية؟ هو السؤال الأقدم، والأكثر تكراراً، ليس للمهاجرين فقط، بل فيما يخص سياسة الدولة المضيفة أيضاً. وبينما تنفق الدول المبالغ الضخمة على برامج وسياسة دمج المهاجرين في المجتمعات الجديدة، ينفق المهاجر الفاتورة مضاعفة لكي يندمج، ثم كي يحافظ على هويته الأصلية. وتكون النتيجة أحياناً - على الرغم من غرابة المثال - تشبه "حمّص بالشوكلاه" أو "بيتزا ماسّالا". ـ
تستقبل كندا قرابة 400 ألف مهاجر سنوياً، ويستقر حوالى 60-70% من هؤلاء في مدينة تورونتو والضواحي المحيطة بها
المبدأ الأول والأهم، المشترك بين كل الدول المضيفة، مرتبط باقتصاد الدول طبعاً. فكل دولة تحاول استغلال كل إمكانيات المهاجر في دعم مسيرة الاقتصاد، الذي يضاهي العلم في سرعة تطوره، وعدم وجود سقف أو ضوابط تحدّه، بدءاًء من استغلال رؤوس الأموال والاستثمارات، وليس انتهاءاً بأبسط الأيدي العاملة. وكما هو معروف، فإن معظم الدول تستميت في دمج المهاجرين من أجل هذه الغاية الأسمى، بغض النظر عن الأسباب الكثيرة الأخرى التي يروَّج لها في الحملات التثقيفية الدعائية. وهذه النقطة هي ما يميّز اختلاف التجربة في تورونتو. أخصّ هذه المدينة دوناً عن غيرها في كندا لعدم إلمامي بتفاصيل دقيقة عن باقي المقاطعات، ولأنها من المدن الأكثر كثافة سكانية والأكثر غلاءً في القارة الأمريكية.ـ
إذا وصلتَ إلى كندا عبر أحد برامج هجرة الكفاءات، فإنك كندي قبل أن تصل حتى (محروم من حق التصويت فقط). تفتح حساباً بنكياً لتصبح موجوداً فيزيائياً، ثم: تفضل عش وأنتج وادفع ضرائبك. اللغة؟ آخر همومك! أصلاً الكثيرون هنا لا يفهمون لغة بعضهم إلا بشق الأنفس رغم استعمالهم الانكليزية. مهاراتك؟ ما قبل آخر همومك. افعل ما تستطيعه الآن ثم طوّر مهاراتك. أو تعلّم بدعم من قروض طويلة الأجل. المهم أن تركب العربة، أو العجلة بمعنى أدق، وتبدأ الدوران. أليست هي الغاية الأهم في الاندماج؟ هل يجب فعلاً أن تكون (ألمانياً بافارياً) قبل أن تصبح سبّاكاً في مدينة ألمانية صغيرة؟ هل سيحتجّ (التواليت) بسبب (الأكسنت) حين تحاول تسليكه؟ لا أقول هنا بأن على من لا يتقن اللغة بطلاقة أن يعمل بالحرف اليدوية (الفردية) فقط، بل هو مثال مبسّط عن سوق العمل، قس عليه كل ما يخطر بالبال من أعمال.ـ
تشاينا تاون (البلدة الصينية) - تورونتو
كلما بحثت في هذا السوق أكثر كلما اكتشفت فرادة التجربة التورونتية أكثر. فبرغم الخطوط العريضة لسياسة الدولة في نشر ثقافة الاندماج، والشعارات المستنسَخة عن أشباهها في كل انحاء العالم، إلا أن الدولة نفسها هنا تدفعك للتمسك بهويتك الأصلية أكثر. بالتالي، قد تكون طبيباً مثلاً، أو فناناً أو حتى داعية، لكن نشاطك قد يقتصر فقط على من هم مثلك، من يتحدّث لغتك، أو يألف دينك أو رقصك. ولا بأس، بل من المحبّذ تنظيم مهرجانات وفعاليات لتعريف الآخرين بك. الآخرون الذين يستمتعون ربما ليوم أو لساعات بالفرجة، قبل أن ينصرفوا للتحضير لمهرجانهم الخاص بهم في بقعة أخرى من المدينة، يستقطبون فيها أناساً آخرين، يحضّرون بدورهم لدورهم الخاص لعرضه لآخرين.. تتعدّى المسألة أحياناً روح الاحتفالات لتصبح أشبه بالمسابقات، الفائز الوحيد فيها هو من يقتنع، بغض النظر عن أي رأي آخر، بأن ما قدمه هو الأفضل، الأجمل، الأكثر ارتباطاً بالإنسانية، والأكثر أصالة. وهذا ينطبق بالضرورة على الشخص الحامل لتلك الأصالة. يرتقي الفرد إلى أسمى حالته الإنسانية في هذه اللحظة، محاطاً بمن يشبهه بلغته، لونه، معتقداته وفنه. وفي الوقت ذاته إلى الدرك الأسفل لأنه يمحي كل شيء آخر، أو يعتبره أقل قيمة في أحسن الأحوال. إنه، إذا ما زلنا نتحدث عن المهاجرين، لا يكره المهاجر ابن جلدته، لكنه (يتحفّظ) أو (لا يفضّل) الآخرين المختلفين عنه. وحين تعفيه من القيود المفروضة في برامج الاندماج، تورونتو مثالاً، تجده يختار سكنه أولاً ثم عمله فعلاقاته وأنشطته اليومية في بيئة هي نسخة مصغّرة عن بلده الأم. لتنشأ هذه التجمعات المسمّات بأسماء البلدان، كـ تشاينا تاون (البلدة الصينية) مثلاً، حيث يمكن أن تصادف هناك عجائز أمضوا عشرات السنين في "كندا" لكنهم لا يتقنون من الانكليزية إلا الأرقام ما دون العشرة. وحين يموتون يُدفنون في مدفن صيني. فالأموات هنا لهم أحياؤهم أيضاً!ـ
الفرد من هؤلاء لن يحب بالطبع غير ما هو صيني، (ربما يختلط في ذلك الحي الصينيون والتايوانيون واليابانيون، ولكن لشخص عربي مثلي كلهم متشابهون، كما نحن العرب متشابهون بالنسبة لهم) المستثنى من تلك القاعدة هو الصيني الذي يرفض أن يعيش في الحي الصيني، هذا الفرد قد هاجر ليصير كندياً (الصيني لا يستطيع ذلك بشكل رسمي إلا إن تخلّى عن جنسيته الصينية) بالتالي، في هذه الحالة يمكن ألّا يحب المهاجرُ المهاجرَ من أبناء جلدته. بدون هذا الاستثناء سيبقى الصيني "مبتعداً" عن الأفريقي مثلاً، وهذا أيضاً يتحصن ضمن قبيلته مبتعداً عن الهندي، والهندي عن العربي، والعربي عن الفارسي، والفارسي عن الأبيض، الذي بدوره يحافظ على مسافة واحدة عن جميع الآخرين، بما أنه صاحب الأرض، إلا أنه يقف معتذراً، ولو بالقول، أمام الساكن الأصلي، الذي يمكن أن يحب كل المهاجرين ويحافظ على مسافة محسوبة عن الأبيض.ـ
مهرجان الكاريبي في تورونتو — بعدسة كاثي ثيبو (المصدر) ـ
ثم يحلّ الليل، يعود كل إلى بيته، في حارته، إيطاليا الصغيرة، جامايكا الصغيرة، البرازيل الصغيرة.. ومؤخراً إيران الصغيرة.. مدن صغيرة ينقصها فقط أسوار حدودية.ـ
لن تحتاج أكثر من يومين بعد وصولك إلى هذه المدينة حتى تتعرّف على هذا النظام بشكله الظاهري على الأقل. بالنسبة لي كسوري، تنفجر مبكراً جداً فقاعة الوهم التي ترعرعت عليها، وأجيال قبلي، في ظل حزب البعث، عن تشاركنا الأرض والتاريخ واللغة. في هذه المدينة لا توجد لغة مشتركة، إلا حين تضطر لذلك، ولا جغرافيا طبعاً، وبتأكيد مطلق لا تاريخ. لا يوجد سوى قانون يضبط البشر ويغيّب عميقاً مشاعر سلبية قد تتعارض مع مشاعر البهجة التي يجب أن تعمّ، وقانون ضرائب يسهم بشكل فعّال في بناء دولة، ما.ـ